الغزالي

7

الأربعين في اصول الدين

معصيته إلا بتوفيقه ورحمته ، ولا قوة له على طاعته إلا بمعونته وإرادته . لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين ، على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكّنوها دون إرادته ومشيئته عجزوا عن ذلك . وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته ، لم يزل كذلك موصوفا بها ، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها ، فوجدت في أوقاتها كما أراده في أزله ، من غير تقدم ولا تأخر ، بل وقعت على وفق علمه وإرادته ، من غير تبدل ولا تغير . دبّر الأمور بلا ترتيب أفكار ، وتربص زمان ، فلذلك لا يشغله شأن عن شان . اعلم أن هذا المقام مزلة الأقدام ، ولقد زلت فيه أقدام الأكثرين ، لأن تمام تحقيقه مستمدّ من تيّار بحر عظيم وراء التوحيد ، وهم يطلبونه بالبحث والجدال ؛ ولقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما ضلّ قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدال » ويستدلون بآيات القرآن مؤولين وليسوا من أهل التأويل ، ولو نال كل واحد مقام التأويل ، لما قال صلى اللّه عليه وسلم داعيا لابن عباس - رضي اللّه عنهما - : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » ، ولما قال يعقوب ليوسف - على نبينا وعليهما السلام - « كذلك يجتبيك ربّك ويعلّمك من تأويل الأحاديث » . قال صاحب « الكشاف » في تفسيرها : يعني معاني كتب اللّه ، وسنن الأنبياء - عليهم السلام - وما غمض واشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها تفسرها لهم وتشرحها ، وتدلهم على مودعات حكمها . وإنما زلت أقدام الأكثرين في هذا المقام ، لأنهم يتبعون الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم ؛ وهؤلاء ليسوا براسخين فيه ، بل هم قاصرون عاجزون ؛ فلقصورهم لم يطيقوا ملاحظة كنه هذا الأمر ، فألجموا عما لم يطيقوا خوض غمراته بلجام المنع مع سائر القاصرين ، فقيل لهم اسكتوا ، فما لهذا خلقتم ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - أنه قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر ، فغضب - عليه السلام - حتى احمرّ وجهه الشريف ، فقال : « أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم ؟ إنما هلك من كان قبلكم ، حين تنازعوا في هذا الأمر ؛ عزمت عليكم ، عزمت عليكم في هذا الأمر أن لا تنازعوا فيه » . وعن أبي جعفر قال : قلت ليونس بن عبيد : مررت بقوم يختصمون في القدر ، فقال : لو همّتهم ذنوبهم ما اختصموا في القدر ، وامتلأ مشكاة بعضهم نورا مقتبسا من نور اللّه ، وكان زيتهم صافيا حتى يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ، فاشتعل نورا على نور ،